التنمية البشرية المستدامة المفهوم والأبعاد


إن التنمية عملية متعددة الأبعاد ومتنوعة المجالات . ورغم أن النمو الاقتصادي يمثل جوهر عملية التنمية والقوة الدافعة لها ، إلا أن هذا لا يقلل من أهمية الأبعاد الأخرى للتنمية سياسية كانت أو بشرية . فبناء المؤسسات السياسية وتمكينها وتفعيل دورها وتشجيع الممارسات الديمقراطية أحد المؤشرات الأساسية لمستوى التنمية الذي حققته الدولة . كما يمثل التعليم قاعدة الانطلاق الحقيقية للتنمية وذلك بالنظر إلى دوره في تحقيق التنمية البشرية والارتقاء بقدرات ومعارف ومهارات الأفراد الذين هم سواعد العملية التنموية وتشكيل اتجاهاتهم وقيمهم . فالتنمية ليست خلق شئ من عدم ، ولكنها استثمار للطاقات والقدرات المادية والبشرية الموجودة في المجتمع لتحقيق الرفاهية للجميع .

ولقد اكتسب مفهوم التنمية البشرية اهتماماً خاصاً ومتزايد منذ عام 1990مسيحي عندما قام البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بتكوين فريق من الخبراء للبحث في مفهوم التنمية البشرية وتقديم تقرير سنوي عنه .

ووفقاً لتعريف الأمم المتحدة يتضمن مفهوم التنمية البشرية ثلاثة أبعاد أساسية . أولها ، تأهيل وصقل القدرات البشرية ، فالأفراد يولدون متساوين نسبياً في القدرات ، إلا أن هذه القدرات تُصقل أو تُهدر وفقاً لمستوى التأهيل من خلال التعليم والتدريب والتنشئة الاجتماعية . ثانيهما ، توظيف أو استغلال القدرات البشرية في التنمية الاقتصادية والسياسية والمجتمعية . أما ثالثها ، فيتعلق بمستوى رفاهة المجتمع .

ومن ثم فإنه رغم تعدد التعريفات والاقترابات لمفهوم التنمية البشرية فإنها جميعاً تتضمن مفهوماً أساسياً وهو إتاحة أفضل الفرص الممكنة لاستغلال الطاقات البشرية المتاحة من أجل تحقيق مستوى رفاهة أفضل الأفراد . فالبشر هم الهدف الأساسي للتنمية البشرية ، وهم أيضاً الأداة الأساسية لتحقيق هذه التنمية . كما أن التنمية بهذا المعنى لا تعني فقط زيادة الثروة أو الدخل للمجتمع أو حتى الأفراد وإنما النهوض بأوضاعهم الثقافية والاجتماعية والصحية والتعليمية وتمكينهم سياسياً وتفعيل مشاركتهم في المجتمع وحسن توظيف طاقاتهم وقدراتهم لخدمة أنفسهم ومجتمعاتهم .

في هذا الإطار يعتبر مفهوم التنمية البشرية مفهوماً أكثر شمولاً وعمومية من مفاهيم أخرى ترتبط بها ومنها مفهوم "إدارة الموارد البشرية" الذي يُعنى أساساً بتعظيم استغلال طاقات الأفراد العاملين في مؤسسات بعينها ، والسياسات والممارسات المتبعة في هذا الإطار . كذلك ، مفهوم "تخطيط الموارد البشرية" الذي يشير إلى وضع تصور لأهداف المجتمع أو المؤسسة مع العمل على خلق شبكة من العلاقات الارتباطية بين هذه الأهداف من ناحية ، والموارد البشرية المتاحة وتلك المطلوبة لتحقيقها عددياً ونوعياً من حيث التخصصات والمهارات.

التنمية البشرية المستدامة ...المفهوم والمكونات

تعتبر قضية التنمية من القضايا الرئيسية التي حظيت باهتمام العلماء والمفكرين على المستويين الإقليمي والعالمي ، وعلى اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية والفكرية ، حيث حاول هؤلاء العلماء تقديم العديد من الاتجاهات النظرية بغية تحليل ظاهرة التخلف وتفسيرها في بلدان العالم الثالث . وكانت هذه النظريات تنتمي إلى مدارس فكرية متباينة طرحت كل منها أفكارها معتقدة أنها تملك مفتاح فهم التخلف والتنمية . كما سيطرت نظرية التحديث Modernization Theoy على كل المعالجات النظرية للتنمية في الفترة ما بين 1960 -1950 م .

وكان الاقتصاديون في طليعة العلماء الذين أقاموا نماذج بسيطة للتنمية ركزت على إشكالية مهمة مؤداها كيف نضمن نمواً اقتصادياً سريعاً وتراكماً لرأس المال ، وقد استخلصوا نماذجهم هذه من خلال خبرتهم واحتكاكهم بالأقطار الغربية . ولكن سرعان ما أدركوا أنها قاصرة ، وليست قادرة على فهم تخلف بلدان العالم الثالث ، لأنها صيغت في ضوء السياق الاجتماعي الثقافي والتاريخي لمجتمعاتهم الغربية ، ذلك السياق الذي يختلف في طبيعته عن السياق الاجتماعي والثقافي والتاريخي للمجتمعات المتخلفة . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن العديد من أصحاب هذه النظريات الغربية يتحيزون إلى النموذج الغربي في التحديث .

هذا فضلاً من أن علماء الاجتماع والسياسة والإدارة العامة وغيرهم من العلماء الاجتماعيين قد تعاونوا أيضاً فيما بينهم لصياغة نظريات سوسيولوجية واجتماعية لتفسير التخلف ، وكانت نماذج التحديث سمة فكرية عند كل العلماء الاجتماعيين بصفة عامة ، والأمريكيين بصفة خاصة. ولم يكن من الغريب أن تنال نظرية التحديث دعماً واهتماماً من العلماء والمفكرين نظراً لأنها تمثل إطارا أيديولوجيا محافظاً ومؤيداً للرأسمالية .

وتتمثل هذه الاتجاهات النظرية في الاتجاه الماركسي ، الاتجاه المثالي ، الاتجاه السيكولوجي أو السلوكي ، اتجاه النماذج أو المؤشرات ، الاتجاه التطوري المحدث ، اتجاه الثنائيات والمتصلات الاجتماعية الثقافية ، الاتجاه الانتشاري ، الاتجاه التكاملي ، اتجاه المكانة الدولية ، الاتجاه الماركــــسي ( الرؤية الكلاسيكية The classic view ) ، الاتجاه الماركسي الجديد ( التنمية كتـــــــحرر مـــــــن التبعية Neo marxism: Dependency ) اتجاه الشعبية الجديدة Neo-Populism واتجاه التنمية البشرية المستدامة ويعد الاتجاه الأخير - اتجاه التنمية البشرية المستدامة - من الاتجاهات الحديثة والمعاصرة .

وهذه الورقة تمثل محاولة علمية تستهدف تسليط الضوء على مفهوم التنمية البشرية ومكوناتها ، كما تتركز هذه الورقة حول محوريين أساسيين ، يتصدى المحـور الأول - إطلالة على مفهومي التنمية البشرية وتنمية الموارد البشرية - لتحديد معنى التنمية البشرية وأوجه الاختلاف بين هذا المفهوم ومفهوم تنمية الموارد البشرية والمفاهيم المرتبطة بها مثل إدارة الموارد البشرية ، وتخطيط الموارد البشرية . أما المحور الثاني - مكونات التنمية البشرية- فيهدف إلى طرح الأفكار النظرية التي يقوم عليها هذا الاتجاه ، وتبيان مكونات التنمية البشرية وأبعادها الأساسية .

أولاً - إطلالة على مفهومي التنمية البشرية وتنمية الموارد البشرية :

مما لا شك فيه أن المفهومات لغة أساسية في كافة النظريات والبحوث العلمية كما أن التحديد العلمي لها يعد خطوة لا مندوحة عنها في سبيل تمهيد الطريق أمام الباحث العلمي لفهم الظاهرة المتدارسة . ولذا وجد الباحث لزاما عليه - بداية - أن يحدد معني التنمية البشرية Human Development موضحاً طبيعتها وأوجه الاختلاف بين مفهوم التنمية البشرية وتنمية الموارد البشرية Human Resources Development ، وإدارة الموارد البشرية Human Resources Management (HRM) وتخطيط الموارد البشرية Human Resources Planning . 1 - التنمية البشرية : إن التنمية البشرية هي عملية توسيع الخيارات المتاحة للناس ، ومن حيث المبدأ يمكن أن تكون تلك الخيارات بلا حدود Infinite ، وأن تتغير عبر الزمان ، ولكن ثمة ثلاثة خيارات تبقى جوهرية في كل مستويات التنمية وهي : أن يعيش المرء حياة طويلة وصحيحة Healthy وأن يحصل على معارف أو يحصل على الموارد الضرورية لتوفير مستوى معيشة لائق Decent ، وإذا لم يحصل الفرد على تلك الخيارات الثلاثة ، فإن كثيراً من الخيارات الأخرى تسد أبوابها أمامه ، ولكن التنمية البشرية لا تقف عند هذا الحد ، فهناك خيارات أخرى ويقدرها كثير من الناس تقديراً عالياً ، وهي تمتد من الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى توافر فرص الخلق والإبداع والتمتع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان .

وللتنمية البشرية جانبان : بناء القدرات البشرية بتحسين مستويات الصحة والمعرفة والمهارات من ناحية ، وانتفاع الناس بقدراتهم المكتسبة في وقت الفراغ ، وفي أغراض الإنتاج والنشاط في أمور الثقافة والمجتمع والسياسية ، وإذا لم يتكافأ الجانبان حل بالإنسان الإحباط . ووفقاً لهذا المفهوم عن التنمية البشرية المستدامة يتضح أن الدخل ليس إلا واحد من الخيارات التي يريد الناس أن يمسكوا بها ، بالرغم من أهميته الواضحة ، ولكن لا يجوز أن نلخص حياة البشر في الحصول عليه . ولذلك فإن التنمية يجب أن تفيد أكثر من مجرد زيادة الدخل والثروة ، إن جوهرها يجب أن يكون البشر .

كما أن النموذج للتنمية - نموذج التنمية البشرية المستدامة - يجعل الناس هم محور التنمية ، ويعتبر النمو الاقتصادي وسيلة وليس غاية ، ويحمى فرص حياة الأجيال المقبلة وكذلك الأجيال الحاضرة ، ويحترم النظم الطبيعية التي تتوقف كلها عليها . ويُمكن جميع الأفراد من توسيع نطاق قدراتهم البشرية إلى أقصى حد ممكن وتوظيف تلك القدرات أفضل توظيف لها في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية . وهي تحمي خيارات الأجيال التي لم تولد بعد ، ولا يستنزف قاعدة الموارد الطبيعية اللازمة لدعم التنمية في المستقبل ، ولا يدمر ثراء الطبيعة الذي يضيف الكــــــثير للغاية لثراء الحياة البشرية .

وتأسيساً على ذلك فإن التنمية البشرية باختصار هي عملية تمكين الإنسان من تحقيق إنسانيته ، والإنسان كما هو معروف كائن مركب في حاجاته المرتبطة بكيانه البيولوجي ، وفي حاجته المعنوية النابعة من ماضيه في حاضره وتطلعاً لمستقبله . وهو منتج ومستهلك ، هو مرسل ومستقبل ، وهو مبدع يدرك بحواسه ، كما يتصور بخياله . وهو في هذا كله متفاعل وفاعل في الظروف والموجودات البيئية التي تحيط به ، والتي يسعى ويتحرك على أرضها وبحارها وسمائها وبين سكانها . وبهذا الكيان المركب ، وفي هذا السياق المجتمعي المتشابك ، يعيش الإنسان ويتم بناؤه وتكوينه ، وتتحقق آماد مختلفة من حاجاته ، وتنمو مستويات متنوعة من قدراته وطاقاته وحوافزه .

ثانيا - تنمية الموارد البشرية :

إن مفهوم التنمية البشرية - كما أوضحنا آنفاً - يختلف عن مفهوم تنمية الموارد البشرية ، فلقد تولد مفهوم تنمية الموارد البشرية من المنظور الاقتصادي ، وأكد على أن الإنسان مورد من الموارد الاقتصادية ، وتركز اهتمامه على الإنسان المنتج وعلى إنتاجه العمل بالدرجة الأولى . وترددت المقولات بأننا نعنى بصحة الإنسان لأنها ذات مردود اقتصادي ، وكذلك الشأن في تعليمية ، بل في أنشطته الثقافية والترويحية ، ويظل العائد الإنتاجي في ضوء مفهوم تنمية الموارد البشرية هو مركز الثقل في الالتفات إلى العوامل الإنسانية في تخطيط الجهود الإنمائية وما تتضمنه من استثمارات وأولويات . لكن هذه النظرة إلى الإنسان من هذه الزاوية الاقتصادية لم تول الجوانب الاجتماعية والبشرية ما تستحقه من تأكيد إلا بقدر ما تســـــــهم به في تحـــقيق الأهداف الاقتصادية ذاتها .

وهكذا برز مفهوم تنمية الموارد البشرية ، بعد أن كانت قضايا النمو الاقتصادي مقتصرة على مشكلات رأس المال واستثماراته ، بيد أن الاهتمام بالإنسان ظل مركزاً على الإنسان كمورد اقتصادي ينتظر منه زيادة الإنتاج وتطويره . ومن هنا شاع الحديث عن تحسين الأحوال الصحية لقوة العمل حتى تكون قادرة على الإنتاج . وفي مصر - على سبيل المثال - ظهرت دراسات تبين مدى الخسارة المادية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني نتيجة لانتشار مرض البلهارسيا لدى الفلاحين وسكان الريف عامة . كذلك ظهرت دراسة تبين مدى الخسارة المادية في تغيب العمال عن العمل في المصانع من جراء انتشار الأمراض المهنية أو الأمراض المعدية. وفي هذا السياق يقال إن إطالة متوسط عمر الفرد تعني مزيداً من السنوات لدى قوة العمل مما يؤدي إلى الإفادة من مهاراتها وخبراتها في عمر إنتاجي أطول .

وهذه النظرية الاقتصادية ذاتها هي التي أدت إلى ظهور دراسات متعددة في كثير من الأقطار الصناعية حول اقتصاديات التعليم لكي تؤكد أن الإنفاق على التعليم هو استثمار اقتصادي له عائد مادي على الفرد والمجتمع. وبهذا يحق القول أن تنمية الموارد البشرية هي تعظيم الطاقات البشرية لسكان المجتمع واستغلالها بكفاءة في كافة نواحي النشاط الاجتماعي ، الاقتصادي . وأن التنمية في النهاية هي تنمية بشر وليست إقامة أشياء (مصانع ، طرق) .

وبالرغم من هذا الاختلاف بين التنمية البشرية وتنمية الموارد البشرية ، إلا أن هناك صلة قوية بينهما ، فالأولى - التنمية البشرية المستدامة - تعني التنمية الشاملة ، تؤكد أنها لا تتحقق بمجرد التركيز على تعظيم الناتج . كما أنها تولى أهمية خاصة لرفع المهارات والإنتاجة وزيادة القدرات الابتكارية للناس من خلال عملية تكوين رأس المال البشري Human Capital. كما أن البعد الإنساني في التنمية البشرية - له أهمية حاسمة ينبغي أخذها في الاعتبار عند إعمال السياسات على المستويات ، حيث يتعين بصفة خاصة أن يكون تأثير السياسة الاقتصادية على الناس وتأثرها بهم محل اعتبار دائم مستمر .

أما هؤلاء الذين يتبنون مدخل تنمية الموارد البشرية في تحليلهم ، فإنهم يركزون على تأثير تحسين مستويات التغذية والصحة والتعليم على الإنتاجية والنمو الاقتصادي ، مما يعبر عن اهتمام محدود وبجانب واحد من عملية التنمية . فعلى سبيل المثال يتبنى بعض الكتاب نظرة ضيقة إلى تنمية الموارد البشرية فيساوونها بـ "التوسع المتعمد في التعليم والتدريب" .

ومن بين التطورات الحديثة في الاهتمام بتنمية الموارد البشرية ، يذكر أن البنك الدولي عمد إلى تنظيم "إدارة الموارد البشرية" بحيث تشتمل على أربعة أقسام : التعليم والتوظيف والسكان والصحة والتغذية ، وتحليل ظاهرة الفقر وسياسات مكافحتها ودور المرأة في التنمية . وعلى الرغم من تزايد أهمية قضايا الموارد البشرية ، فإن المصرف الدولي لا يعتبرها محوراً رئيساً لنشاطه ، فما إدارة السكان وتنمية الموارد وتنمية الموارد البشرية سوى واحدة من إدارات أخرى مماثلة للزراعة والطاقة والبنية الأساسية والبيئة ، ولو أنشأ المصرف إدارة للتنمية البشرية ، فإن كل هذه الإدارات يمكن أن تندرج تحتها ، ولكنها لا تحظى بنفس قدر أهميتها .