الاكراهات القانونية للعقار في مجال التنمية القروية

عبد اللطيف أعمو

رغم التقدم العلمي والتكنولوجي وغزو الفضاءات وغور البحار، تبقى الأرض مهد الانسان ومنتهاه، لتتكون لديه غريزة حب الأرض والتمسك بها وحرصه على حيازتها وتملكها، فنسج حولها كثيرا من الاعتبارات المرتبطة بمورد الرزق والمعاش وكسب الثراء والغنى والجاه والحكم ومكانا للاستقرار والتجمع البشري، إضافة إلى أسباب نفسية وثقافية وتاريخية. مما يبين الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للأرض، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات .

وهو ما حاولت معه كثير من الدساتير، ومنها الدستور المغربي، إقرار المعادلة بين حق ملكية الأرض وضمانه، وما يقابل ذلك من حقوق ذات طابع اقتصادي واجتماعي للجماعة (البلاد) وتعزيزها بنفس الضمانات، مع جعل القانون الأداة الوحيدة التي تحدد مدى هذه الحقوق وممارستها على الأرض (المادة 15 من الدستور المغربي).

ومن هنا يبرز، بحكم الدستور، دور المشرع في التوفيق بين ما تحمله الأنظمة العقارية المعروفة في البلاد والمعتبرة سوسيولوجيا ركيزة ومصدرا لحقوق الملكية وحاجيات البلاد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية (التنمية الفلاحية). ويزداد هذا الدور، بما يتطلبه من جرأة وشجاعة سياسية. كلما عرف حق الملكية ضغطا قويا مرتبطا بالانفجار الديمغرافي، والذي ينتج تزايدا في طلب الأرض كعامل للتنمية، وكلما كان حق الملكية مثقلا في نفس الوقت بعلاقات وبتقاليد وأعراف ممزوجة بحب التملك ورفض التصرف الموجه، وحتى رفض التحويل والمعاملة به، وما يتطلب ذلك من إجراءات قانونية للخروج من الوضعية المعقدة للعقار في مجال التنيمة الفلاحية.

ورغم ما قامت به الدولة من محاولات في مجال تطوير التشريع، إلا أن الوضع التشريعي ما زال جد ضيق وجد محدود، ويعرف إختلالات كبيرة، زيادة على أنه في غالبية مكوناته أصبح متجاوزا وغير منسجم مع متطلبات التنمية، وبالخصوص لما تكون هناك إرادة لوضع سياسات فلاحية تستهدف تحقيق أهداف الانتاج والعصرنة والمكننة وتحديد الملكية وتوسيعها وإدخال أنماط جديدة للتنمية الفلاحية تراعي خصوصيات كل جهة والأنماط الفلاحية الانتاجية المناسبة، ودور الدولة في التأطير والبحث العلمي وغير ذلك ...

وأمام هذا الوضع، فإن مسألة بلورة قانون فلاحي شامل ومنسجم يجمع كل جوانب الواقع الحقيقي للتربة الفلاحية وما يحيط بها من بشر وكذلك المساحات النافعة ويراعي الأنظمة العقارية القائمة وتطويرها عن طريق التشريع.

وسنحاول الوقوف على هذا الوضع والكشف عن بعض جوانبه من خلال محورين أساسيين، الأول يتعلق بالأنظمة العقارية القائمة بالمغرب منذ القدم، والثاني يتعلق بالوضع التشريعي أو النظام التشريعي للعقار الفلاحي.

I - الأنظمة العقارية

إن الفضاء العقاري في المغرب مهيكل منذ بداية القرن الماضي من خلال عدة أنظمة عقارية متميزة، تخضع كل منها إلى إطار خاص بها، غالبا ما يمنع تفويتها، ويخضع التصرف فيها إلى قوالب وأنماط تقليدية، ويخضع استغلالها إلى شروط غالبا ما تكون جد معقدة وغير مجدية (باستثناء نظام الملك).

والأنظمة السائدة التي عرفها المغرب في المجال العقاري حتى الآن ما زالت كما هي :

1 - الملـــك :

وهو الذي يعني الملكية الخاصة للفرد بشكل مستقل أو لمجموعة من الأفراد عن طريق الشياع ثابتة وخالصة ، وتمكن من حق ممارسة جميع أنواع التصرفات من تفويتات وغيرها. وهذا النظام هو الغالب في النسيج العقاري الفلاحي والحضري في المغرب، ويمثل نسبة 76 % من المساحات الفلاحية النافعة (SAU).

وهذا الملك، إما أن يكون محفظا أو غير محفظ، ويخضع في تدبير الحقوق المرتبطة به إلى قانون مزدوج، إما قانون خاص بالأملاك المحفظة وإما أحكام الشريعة الاسلامية والتقاليد والأعراف بالنسبة للأملاك الغير المحفظة. ويواجه نظام الملك إشكالية كبيرة تتعلق بالتقطيع والقسمة وحالات الشياع. وهي كلها إكراهات تحجم وتقلص من القدرة على تعبئة هذه الأملاك في دائرة متطلبات التنمية .

2 - أملاك الجموع:

هي أملاك يرجع نسبها إلى قبائل أو أعراق إثنية تكونت عبر الزمن وتحكمها التقاليد وأعراف تلك القبائل، إلى أن تم التعريف بها ووضع نظام لحمايتها من طرف السلطات الفرنسية إبان الحماية بمقتضى ظهير 17 أبريل 1919 الذي نظم الوصاية الإدارية لأراضي الجموع وظهير 17 دجنبر 1920 المتعلق بالتشريع المطبق على بعض أراضي الجموع، وظهير 18 فبراير 1924 المتعلق بتحديد أراضي الجموع وغيرها من الظهائر والقرارات والمراسيم المتعلقة بهذه الأراضي.

وهي أراضي غير قابلة للتفويت بأي وجه من الوجوه ، ولا لإنشاء أي حق عيني كيفما كان نوعه، ولا تخضع لقواعد التقادم.

وتقدر المساحة الفلاحية النافعة لهذه الأراضي بحوالي 18%، وهي في وضعها الراهن لا توفر شروط الأمن في المعاملات واستقرارها، وهما عاملان أساسيان للتنمية الفلاحية، وأنها لا تقبل القسمة العينية، وينحصر استغلالها والتصرف في منافعها لأصحاب الحقوق، فأصبحت بفعل تزايد هؤلاء غير كافية لاستغلال واستغراق حصصهم. وهو ما أدى إلى المطالبة بإعادة النظر في نظامها وإخضاعها إلى تشريع يطور في واقعها، وحتى بإلغائها.

وأنه رغم تدخل الدولة في بعض منها بعمليات تستهدف تعبئتها، فإن ذلك محصور في مجال التدابير ذات الطابع الإداري تهيكله وزارة الداخلية (عملية منطقة الغرب نموذجا).

والأمر في نظرنا، يتعلق بإيجاد حل تشريعي جريء، يراعي الحقائق المعاشة على الأرض، مع حصر أو منع كل أشكال التقسيم والتفتيت والتجزئة، مراعيا في ذلك ضرورة وضع سياسات فلاحية واضحة وقادرة على إعادة القطاع الفلاحي في شموليته على سكة التنمية الفلاحية، كيفما كان نوع النظام العقاري.

3 - ملك الدولة:

هي العقارات التي تشمل الملك العام للدولة والملك الخاص إضافة إلى الملك الغابوي بجميع مكوناته وأنواعه. وتمثل في مجموعها نسبة 3,5% من الأراضي الفلاحية النافعة.

هذه الأملاك تخضع لتصرف الدولة والإدارة بشكل مطلق، وغالبا ما يكون ذلك خارج سياق التوجهات التنموية الحقيقية بسبب غياب قوانين تشريعية ملزمة تتحكم في توجيه التنمية وجعل تصرفات الدولة في أملاكها مندمجة بما فيها الغابوية، وخلق روابط مؤثرة وملزمة بين المتدخلين (الدولة والجماعات الترابية و هيئات مختلفة للاستثمار).

4 - أراضي الحبوس

هي الأملاك الموقوفة من طرف منشئيها. وهي ذات طابع ديني تخصص منافعها واستغلالها إلى فئات من المستفيدين المحبس عليهم. وتتكون من عدة أنواع (عامة،عائلية، زوايا) وغالبا ما يتم استغلالها عن طريق الكراء. هذه الأملاك تخضع أيضا في الوقت الراهن في غالبيتها لرقابة وزارة الأوقاف، خارج كل رؤية مندمجة في استراتيجية تنموية، لا على الصعيد الوطني ولا على الصعيد المحلي، ويطغى عليها طابع اقتصاد الريع، وغالبا ما تكون مردوديتها محدودة، إن لم تجد نفسها في مجال المضاربات والمبادلات بشكل معزول.

II- النظام القانوني للعقارات

أمام هذا الهيكل المركب من الأنظمة العقارية التقليدية والعتيقة، وبحكم قدم القوانين المؤسسة والمنظمة لها، يمكن حصر التشريع العقاري الفلاحي الذي ينظم الحقوق داخل كل نظام وبشكل معزول فيما يلي:

- قانون التحفيظ ؛

- أحكام الفقه المالكي؛

- قانون ضم الأراضي؛

- قانون تقطيع الأراضي الفلاحية؛

- قانون التحديد الاداري لملك الدولة والغابات؛

- قوانين الحماية البيئية الايكولوجية وتتسم معظم هذه القوانين بعدة مواصفات ، يمكن الاشارة إلى بعضها كما يلي:

1 - مواصفات التشريع العقاري الراهن:

يمكن وصف التشريع العقاري المغربي في الوقت الراهن بالمواصفات التالية:

- أنه تشريع عتيق ومتجاوز في كثير من أجزاءه، ويرجع في غالبيته إلى نظام الحماية في بداية القرن الماضي؛

- أنه تشريع مجزء ومقسم، وغالبا ما يحدث تضارب وصعوبة انسجام، إن لم يكن هناك تناقض بين الأنظمة العقارية القائمة والمختلفة؛

- أنه تشريع غير معزز بالمراسيم التطبيقية ولا بآليات تطبيقه بالشكل المنسجم مع متطلبات التنمية؛

- أنه ينظم الحقوق بشكل مجرد، إما على شكل فردي أو جماعي، دون استحضار أهداف التنمية الشمولية؛

- أنه تشريع متجاوز، يتعين إعادة النظر فيه وخلق مدونة لقانون الفلاحة تشمل كل أشكال التصرفات التي تأتي على العقار الفلاحي، كيفما كان نظامه العقاري ومصدر طبيعته.

2 - قانون التحفيظ:

لا يجادل أحد في الدور الاقتصادي والاجتماعي للتحفيظ العقاري، وما يحمله من امتيازات أهمها:

- الاشهار العقاري؛

- تطهير العقار من كل الحقوق العينية السابقة لإنشاء صك التحفيظ؛

- وضع هوية تعريفية بالملك موضوع الصك العقاري وتشخيصه باسم ومرجع ورقم وتصميم؛

- القوة الحجية للصك العقاري، وكل ما سجل فيه من حقوق،- ضمان سلسلة التقييدات؛

- تأسيس الضمانات العينية في الأسواق المالية والاستثمار، وإذا كان لهذا النظام عدد من الامتيازات، فإن العديد من الاختلالات ما زالت ترافقه وتحد من توسيعه وتعميمه حتى الآن، بحيث أن مساحات الأراضي الفلاحية المحفظة نهائيا لا تتعدى حوالي 11 %من المساحات الفلاحية النافعة.

ومن جملة الأسباب التي أدت إلى عدم تعميم وتوسيع التحفيظ العقاري، نذكر:

- تعقيد المساطر القانونية أثناء التحفيظ وعند انتهاءه (ظهير 13 غشت 1912 والمراسيم والقرارات المتفرعة عنه ونظام المحافظة العقارية) ؛

- ثقل المساطر الادارية؛

- جهل الفلاحين وعدم علمهم ومعرفتهم بمزايا التحفيظ؛

- الطابع الاختياري للتحفيظ؛

- بقاء كلفة التحفيظ مرتفعة بالنظر للقدرة الشرائية للفلاحين، ... إلخ،

فإذا كان القانون العقاري المطبق على العقارات المحفظة (قانون 2 يونيو 1915) اقتبس مختلف أحكامه من قواعد الشريعة الاسلامية وأحكام الفقه المالكي، فإنه مع ذلك لم يستجب إلى معالجة الإشكاليات المطروحة المتعلقة بمختلف الحقوق والعمليات التي يمكن أن ترد على العقارات، بالنظر إلى طبيعتها، وبالخصوص لما يتعلق الأمر بالأراضي الفلاحية. ويبقى مع ذلك تدوين التشريع العقاري بشكل واضح ضمانة أقوى للاستقرار في المعاملات وتوثيق الحقوق وحمايتها وضمان أمن المعاملات.

3 - العقارات الغير المحفظة:

تعتبر العقارات الفلاحية النافعة الغير المحفظة هي الغالبة في النسيج الفلاحي المغربي، وهي تخضع إلى حد الآن في تشريعها إلى قواعد الفقه المالكي .

هذا الفقه، الذي يبقى عرضة لتقدير واجتهاد القضاة حسب تكوينهم وقناعتهم بمناسبة عرض النزاع عليهم. وهي لا تعطي المزايا التي يعطيها التشريع الخاص للعقارات المحفظة، بحيث تبقى عقارات مجهولة غير خاضعة لأي إشهار ولا يعرفها الأغيار وحتى ذوي الحقوق من الورثة وبالخصوص الصغار منهم، وهي غير مدققة المساحات والحدود، وتخضع إلى تصرفات واستغلالات غالبا ما يكون مدخلها مجهولا.

كل هذه العوامل تخلق وضعا غير مستقر حول هذه العقارات، وبالخصوص على التصرفات القانونية التي تقع عليها. وهو ما يجعلها مفتوحة للنزاعات بشكل مكثف، ويعرض حقوق أصحابها وباستمرار لاعتداءات خارجية وبالخصوص إذا كانوا من الفقراء.

أضافة إلى هذا، فإن ضعف قوة رسوم الملكية وعدم توفرها على أية قيمة صالحة، كضمانة رهنية لتمكين أصحابها من الولوج إلى إمكانية الاقتراض البنكي، يجعلها لا تحمل أي وصف من الضمانات العينية. وهو ما يترتب عنه ضعف الاستثمارات في مجال العقار الفلاحي الغير المحفظ.

ولقد أدى هذا الوضع إلى الحد من تعبئة الأراضي الفلاحية الصالحة في مجال التنمية، وأدى كذلك إلى خلق أوضاع نفسانية متعبة، يتعين التفكير في اتخاذ عدة اجراءات، منها:

1 - الاسراع بتدوين القانون العقاري المغربي، ويشمل القانون العقاري المغربي الموحد الحقوق العينية والشخصية التي ترد على العقارات المحفظة منها والغير المحفظة؛

2 - ضرورة مراجعة نظام عقود الملكية لتقوية قيمتها كسند للملكية، وكضمانة عينية مرتبطة بهذا الحق، وما تعطيه من بيانات حول مجال عقاري معلوم وواضح في المكان والموقع والطبيعة والحدود والمساحة.

وهنا تظهر أهمية مراجعة نظام وثيقة الملكية وإدماجها ضمن معطيات خرائط المسح الطبغرافي الوطني (national cadastre) تعترف بالعقد كوثيقة لملكية عقار معلوم ومعروف وكوثيقة تثبت ملكية عقار يعمل بها في المجال البنكي عند اعتماد القروض.

وأن هذا الفراغ في التشريع لا يمكن الاستمرار في ملئه عن طريق الدوريات والمناشير التي تصدرها وزارة الداخلية في موضوع تسليم الشواهد الادارية المتعلقة بموضوع الملك المراد إقامة رسم الملكية عليه، ولا بالمناشير التي تصدرها وزارة العدل في نفس الموضوع، بل يجب تحرير مصالح التوثيق التقليدي ودعمها بآليات تقنية وإدارية لتوخي الحقيقة والصدق حتى تعطى للوثيقة العدلية الرسمية قيمتها التي لا تقهر إلا بادعاء الزور. وهنا كذلك تظهر ضرورة إعادة النظر في قضاء التوثيق وإصلاحه.

3 - قانون ضم الأراضي remembrement

بادر المشرع المغربي بعد الاستقلال إلى إبداء الرغبة في تأطير وهيكلة العقار الفلاحي في بنيته وتوجهه، فاتخذ عدة تدابير من جملتها ظهير 30- 02- 1962 والمرسوم المطبق به والمؤرخ في 25-07-1962 والخاص بعملية ضم الأراضي وخصوصا في مناطق السقي أو في مناطق البور.

إلا أن هذه العمليات رغم ما تستهدفه من إعادة بنية العقار وإجبارية التحفيظ من أجل خلق مناخ أقوى للاستثمار والانتعاش الفلاحي، فإن مداها بقي محدودا جدا بالنسبة للمساحات الفلاحية النافعة التي من المفروض أن تستفيد من عمليات الضم هاته.

هذا النظام اصطدم مع كثير من المشاكل المختلفة المصادر والأسباب، ترجع أساسا إلى تعقيد عمليات الضم وكيفية إنجازها وتعدد المتدخلين بشكل غير محدود والتقلبات الغير المهيئة التي يحدثها في العلاقات بين الفلاحين المعنيين، والذين لا يرون منها إلا محاولة لسلب ممتلكاتهم وإبعادهم عنها.

وإذا أضفنا إلى ذلك، المشاكل ذات الطابع التقني المرتبطة بالتقييم الايجابي والموضوعي للقواسم القائمة بين البقع التي وقع ضمها، وما ينتجه من قيمة إضافية، وعلاقة كل ذلك بالتجهيزات المحيطة بمنطقة الضم. وهو ما أدى في آخر المطاف، إلى أن هذا التشريع لم يصل إلى هدفه، بحيث أن كثيرا من الفلاحين بالمناطق المعنية بضم الأراضي، ما يزالون يخضعون أملاكهم للتقطيع والتجزئة بشكل واقعي، دون أن يكون هذا التشريع قادرا على منعهم من ذلك.

4-تقطيع الأراضي الفلاحية morcellement des terrains

إن المنطق التقليدي للملكية كحق مقدس يورث، وما يحمله من حمولة ثقافية واجتماعية، جعل الأراضي الفلاحية، وبالخصوص منها التي تنتمي إلى نظام الملك، تخضع إلى مختلف انواع القسمة (البثية، العينية، النفعية،...) وإلى مختلف عمليات التقطيع والتجزئة خارج كل إطار مؤسساتي يحد من الآثار السلبية لهذه العمليات على التنمية، فأصبحت هذه العملية حقيقة مكتسبة خصوصا بالمجال القروي، تتخذ أشكالا وأبعادا مختلفة، فهي تؤدي في بعض الأحيان إلى خلق ملكية صغيرة micro propriété والتي غالبا ما تتنافى مع أهداف التنمية المكثفة والاستثمار في الانتاج، وهي مرتبطة أصلا باقتصاد الاكتفاء أو الاستهلاك بعيدا عن الأنماط الانتاجية التي تستهدف السوق.

ومن جهة أخرى، فإن عمليات التقطيع والقسمة تستهدف حل مشاكل البنية العقارية القائمة وتحرير الحقوق وتمكين أصحابها من التصرف فيها، وبالخصوص إذا تعلق الأمر بإشكالية الإرث، التي غالبا ما تبقى خاضعة للنظام القانوني للشياع، وهي في حد ذاتها مصدر للمشاكل والنزاعات.

وللمساهمة في وضع مقاربة للتخفيف من المشاكل المرتبطة بتقطيع الأراضي وتقسيمها، تدخل المشرع في 25 يوليوز 1969 بوضع قانون الاستثمارات الفلاحية، حدد فيها التزامات الدولة وحقوق الفلاحين والتزاماتهم، وعزز ذلك في نفس السياق، بظهير آخر في نفس التاريخ والمتعلق بالتحفيظ الجماعي للأملاك القروية.

وهكذا، تم إحداث مناطق للسقي ومناطق البور التي تغطي حوالي ثمن (1/8) المساحات الفلاحية النافعة.

إلا أنه رغم تدخل المشرع للتخفيف من آفة التقسيم العشوائي للأراضي والغير المندمجة في أي منظور تنموي، فإن استمرار هذه الأنماط (الشرعية) من التصرفات، ما زالت قائمة، حتى بداخل مناطق السقي ومناطق البور المحمية بالقانون المشار إليه، وتتم في بعض الأحيان بتزكية من الإدارة بمقتضى بعض الشواهد الادارية المسلمة بشكل غير قانوني، بقصد التسجيل والتقييد بالمحافظة العقارية بالنسبة للأملاك المحفظة.

وأمام هذه الوضعية، تظهر مفارقة أخرى تتجلى في إشكالية الشياع (الملكية المشاعة)، باعتبار أن عددا كبيرا من الأملاك الفلاحية، ترجع إلى الملاكين المتزايدين بصفتهم ورثة. وبسبب عدم تمكنهم من إجراء عملية القسمة ، أصبحت حالة الشياع مفروضة عليهم باستمرار.

هنا تظهر أهمية تدخل المشرع لإعادة النظر في قانون الاصلاح الفلاحي في الاتجاه الذي يجد فيه حلا لاشكالية قسمة الأراضي وتقسيمها والشياع كإحدى المعوقات المرتبطة بالعقار في مجال التنمية الفلاحية، وذلك عن طريق وضع مقاربة منهجية دقيقة للإحاطة بجميع المسائل المرتبطة بالتقسيم والقسمة والشياع، تمكن من تقييم تاثيراتها على نجاعة الاستغلالات الفلاحية.

وفي هذا الاتجاه، يمكن التفكير في خلق وحــدات المساحات الدنيا لــلاستغلال (SME) ومنع كل عمليات التقسيم التي تؤدي إلى خلق أملاك اقل من المساحة الدنيا. وهو ما يتطلب بالضرورة تعميم التحفيظ العقاري للأراضي الفلاحية ووضع التزامات للاستثمار الفلاحي.

و هذه كلها مهام التشريع العصري الذي يمكن أن يحد من الاخلالات التشريعية المستحدثة القائمة، والتي تثبت محدوديتها .

5 - قانون التحديد الإداري

إذا كان التشريع المنظم لأراضي الدولة والغابات يرجع إلى العقد الثاني والثالث من القرن الماضي، فإن أدوات تدبير هذا المجال إلى حد الآن، رغم ما تحمله من شحنة ظرفية مرتبطة بعقلية الاستعمار، أصبحت لا تتلائم مع وضع المغرب وقيم المغاربة منذ الاستقلال.

فبقاء ظهير 3 يناير 1916 المتعلق بالتحديد الاداري لأراضي الدولة وأراضي الغابات ينفذ بمضامينه والمساطر الواردة فيه، وإلى حد الآن، يعتبر في نظري، مظهرا من مظاهر عجز المشرع على تناول أوضاع العقار بما تقتضيه مبادئ العدل واحترام أحكام الدستور في باب الملكية ، وما يقتضيه واجب إعادة هيكلة بنية الملكية في المغرب داخل أنظمتها المتعددة.

إن هذا الظهير حدد هدفه في جعل حدود واضحة للأملاك المخزنية، حتى لا يقع نزاع مع أرباب الأملاك المجاورة، معتبرا أن التحديد الاداري يمكن أن يجري على كل عقار فيه (شبهة ملك للمخزن الشريف)، وذلك لأسباب حقيقية و(تعيين حالته الشرعية).

فإذا بهذا الظهير أصبح أداة لاستملاك أملاك الخواص بل أملاك القرى بكاملها وتهجيرها والحد من استغلال الأراضي الفلاحية وممارسة ما تقتضيه حقوق الملكية.

ومن غير المعقول أن يستمر تطبيق هذا الظهير بمضامينه إلى الآن، وهو ما أدى إلى خلق تشنج مستمر بين إدارة المياه والغابات بالخصوص وعدد كبير من القبائل وسكان الجماعات. وبدل أن يطبع هذه العلاقة الاطمئنان والتحاور وتفعيل الآليات التمثيلية كالجماعات المحلية وأدوات أخرى كجمعيات المجتمع المدني في إطار شراكة حقيقية ونافعة، بقيت تحكمها للأسف رمزية القوة والسلاح . الشئ الذي أدى إلى خلق وضع غير مستقر يكاد يشمل كل أملاك الغابة.

ولقد زاد هذا الوضع تأزما، بعض التصرفات التي يتم بها تفويت الملك الغابوي، عن طريق المبادلات تحت مطية تشجيع الاستثمار، أمام أعين عدد كبير من الفلاحين، الذين لا يرون فيها إلا غصب واستيلاء على حقوقهم.

ولذلك ندعو إلى إلغاء هذا الظهير والمبادرة إلى وضع مدونة لقانون البيئة تشمل كل الأراضي الغابوية والمناطق المحددة بأنظمة المحميات ومنع التفويت فيها، وخلق أنظمة للانتفاع بها والاستفادة منها من طرف السكان عن طريق محاورتهم من خلال الجماعات المحلية التي ينتمون إليها أو الجمعيات التي تنظمهم.

6-قانون المحميات البيئية الايكولوجية

لقد ظهر في المغرب جيل جديد من التشريعات التي تهتم بالمجال البيئي وحماية الثروات والموارد الطبيعية والمجالات الايكولوجية والبيئية. وهي مبادرة، رغم أهميتها، ما زالت معزولة عن المستهدفين بها، وهم الساكنة والفلاحون، ليشعروا بأنهم جزء من هذه المنظومة البيئية، ولهم دور أساسي في تنميتها والحفاظ على أهدافها.

ويبقى هذا التشريع، رغم أهميته، محدودا، لكونه غير قادر على فك العزلة بينه وبين السكان الذين يشكلون جزءا كبيرا من فضاءه.

III – خـــاتـــمــــة

إن مسألة النظام العقاري المغربي والأنظمة المتعددة التي تكونه والقوانين والتشريعات التي تنظم أحواله وأحكامه، ستبقى دائما موضوع تفكير من أجل التنمية الفلاحية. وبدون شك أنها كانت موضوع دراسات ومناظرات فيما مضى، ولكنها ، مع ذلك، لم تتوصل بعد إلى تكوين رؤية واضحة حول العناصر الحقيقية المكونة لهذه المسألة المعقدة.

وحتى في الحالات التي تتضح فيها الرؤيا على أسس من الافتراضات، يبقى برنامج العمل غير مهيإ بتدابير عملية حقيقية ذات حمولة وطنية لإصلاح وتحسين الهيكل العقاري المغربي، فبقيت بذلك كل المجهودات المبذولة في هذا الاتجاه دون ما ينتظر منها من نتائج، رغم المجهود المبذول في مجال التحفيظ العقاري بجميع أنواعه، وفي مجال ضم الأراضي وخلق مناطق السقي والبور، فإن الانسان المغربي بطموحه وتمثلاته، لم ير بعد في مشهد عقاره ما يماثله ويشبهه في طموحاته والضمانات المحيطة بحقوقه، من خلال تشريع عصري منسجم ومتكامل وضامن لتلك الحقوق ومحفز على تفعيلها وتعزيزها لتكون أدوات لخلق الغنى والثروة والانتاج المستمر للقيمة المضافة.

ففي بلد كالمغرب، تعتبر فيه الفلاحة أحد الدعائم الأساسية لاقتصاده، فإن النظام العقاري بقوانينه وتشريعاته يلعب بدون شك دورا حاسما في التنمية الفلاحية، لأن طريقة الولوج إلى الأرض الفلاحية وبنية الملكية العقارية والأنظمة العقارية وأشكال الاستغلال، لا يمكن أن تكون حائلا أو عائقا أمام العصرنة والتكثيف في الانتاج والاستثمار الخاص والعام وضمان تنمية فلاحية مكثفة، بالموازاة مع تنمية فلاحية مستدامة.

وهو ما يتطلب وضع أنظمة عقارية قوية وقادرة على تكثيف الانتاج.

لذلك سيبقى دائما من الأهمية بمكان التفكير في الأجوبة عن التساؤل حول كيفية تغيير الأنظمة العقارية، وقدرة ذلك على إحداث ردود فعل مناسبة للتنمية الفلاحية المكثفة وتقوية وتشجيع الاستثمار.

ويظهر، من خلال عدد كبير من الأعمال والأبحاث، أن المختصين في العقار القروي يبحثون دائما عن إقامة العلاقة المباشرة بين النظام والتشريع العقاري ووضعية الفلاحة في البلاد. ولا بد، والحالة هذه، للمشرع أن يشتغل على إيجاد جواب صحيح وملائم، ولو مرحليا، لهذا السؤال.


عبد اللطيف أعمو